التعليم الإلكتروني... من الحقيقة إلى الافتراضية ثم الحقيقة الافتراضية

2012-07-02 15:07:27
نظمت الجمعية الأمريكية لعمداء القبول والتسجيل أول مؤتمر دولي للتعليم الإلكتروني في مدينة دنفر بولاية كلورادو الأمريكية في شهر أغسطس من عام 1997م، وأتبع المؤتمر بقمة للمسؤولين عن هذا التعليم، وحضر القمة والمؤتمر مدراء جامعات وعمداء قبول في أهم مؤسسات التعليم الإلكتروني في أمريكا والعالم، وكان من أهم توصيات المؤتمر والقمة: أن التعليم الإلكتروني - وجميع وسائله - أصبح ضروريًا لإكساب المتعلمين المهارات اللازمة للمستقبل، وأن هذا النوع من التعليم سوف يفتح آفاقا جديدة للمتعلمين لم تكن متاحة من قبل، ويقدم حلاً واعدًا لحاجات المتعلمين في المستقبل، وأنه يجب تطبيق ما تم التوصل إليه من منافع التعليم الإلكتروني مع عدم إغفال الواقع التعليمي المعتاد. ومنذ سنوات طويلة وقبل ظهور الإنترنت درج مصطلح «الدراسة عن بعد» (Distance Learning) وهو نوع معروف من التعليم يقوم على الدراسة عن طريق المراسلة، وفيه يتمكن الطالب من الدراسة ضمن جامعة خارج بلده دون أن يضطر إلى السفر، اللهم إلا في فترة الامتحانات، ومن فوائد هذا التعليم أنه مكن الطالب من دراسة الفرع الذي يريده حتى لو لم يكن هذا الفرع متوفرًا في جامعات بلده، ومن عيوبه أنه لا يوفر سوى دراسة بعض الفروع التي يمكن دراستها عن طريق المراسلة كالآداب والعلوم الاجتماعية والفلسفية، كما أنه كان هناك اعتقاد سائد بأن الشهادة التي يحصل عليها الطالب ليست مرغوبة تمامًا من قبل المدراء وأصحاب الشركات عند بحثهم عن موظفين. ثم جاءت الإنترنت التي لم تترك أي مجال من مجالات الحياة إلا وأثرت فيه وسيطرت عليه، لكنها - في بداياتها الأولى - لم تكن قد حققت هذا التطور الكبير الذي تشهده الآن في مجال الوسائط المتعددة Multimedia من صوت وصورة وغيرها من الوسائل التفاعلية، ولو أردنا التعرف على نصيب التعليم على الإنترنت في بداياتها لوجدنا أنه لم يختلف كثيرًا عن أسلوب الدراسة عن طريق المراسلة عدا أنه سرّع المراسلات بين الطلاب والجامعة، وبالتالي لم تغير الإنترنت - في تلك الفترة - كثيرًا في أسلوب التعليم بحد ذاته، وصارت الشهادة التي يحصل عليها الخريج تحمل كلمة Online. أي أن صاحبها حصل عليها عن طريق الإنترنت. هذه الكلمة تعني بشكل ما أن هذه الشهادة أقل شأنًا من الشهادة التي يحصل عليها طالب الجامعة العادية. بعد ذلك تراجع مصطلح التعليم عن بعد ليسمح بتقدم مصطلح آخر أوسع وأكثر شمولية وهو التعليم الافتراضي، وهو نوع من أنواع التعليم عن بعد لكن بوسائل متطورة جدًا، حيث أثبت هذا النوع الجديد من التعليم جدارته ما أدى تدريجيًا إلى تقسيم التعليم في العالم إلى نوعين: التعليم التقليدي ويقصد به التعليم الجامعي الذي يألفه الجميع، والتعليم الافتراضي، وبعد التطور المذهل الذي حققته شبكة الإنترنت في مجال الوسائط المتعددة Multimedia وأساليب الاتصال والحوار عن بعد وجدنا أن التعليم الافتراضي يفرض نفسه كأكثر المستفيدين من هذه التقنيات الجديدة، وأصبحت الشهادات الجامعية التي تمنح من خلال هذا النوع من التعليم توازي الشهادات التي تمنحها الجامعات التقليدية. وأصبح التعليم الافتراضي من أكثر التقنيات التربوية نموًا حول العالم حيث يتضاعف عدد مستخدمي هذه التقنية بسرعة مذهلة، ويزداد عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية التي تضع مقرراتها وموادها التعليمية على مواقع إلكترونية لتمكين أي دارس في أي مكان في العالم من الالتحاق ببرامجها الدراسية، وفي الولايات المتحدة ومنذ أن ظهر النظام التعليمي الذي أطلق عليه (Home Schooling) وانضم إليه أكثر من مليون ونصف المليون طالب يتلقون دروسهم في البيوت وأماكن العمل وحدها، يقوم أكثر من ألفي مؤسسة للتعليم العالي ببث برنامج (مسار دراسي) واحد على الأقل من برامجها على شبكة الإنترنت، وتتفاوت هذه الجامعات في عدد البرامج الدراسية التي تقدمها على الشبكة والتخصصات التي تتيحها. وفي بريطانيا تم تأسيس شبكة وطنية للتعليم، تم من خلالها ربط أكثر من اثنين وثلاثين ألف مدرسة بشبكة الإنترنت، وتسعة ملايين طالب وطالبة، وأربعمائة وخمسين ألف معلم، وقد منح كل طالب وطالبة عنوانًا إلكترونيًا، وتم تدريب وتزويد عشرة آلاف مدرس بأجهزة حاسب (Laptop)، وتم توصيل مختلف المواقع التعليمية بهذه الشبكة، ويتم إرسال المعلومات والمواد التعليمية من موقع الشبكة الوطنية إلى المدارس، كما يمكن الحصول على المنهج الدراسي على شكل أقراص مدمجة، كما سعت كندا إلى عقد مؤتمر علمي متخصص في عام 2000 ضم أكثر من ثلاثمائة مندوب من مختلف دول أوربا وأمريكا الشمالية، وافتتحت على أثره جامعة «لافال» الإلكترونية، في مدينة كيبك الكندية للطلاب الراغبين في التعلم عن بعد لمواصلة تخصصاتهم، ويتابع آلاف الطلاب حاليًا دراستهم عن بعد، وهم يتواصلون مع أساتذتهم عبر الإنترنيت والبريد الإلكتروني. ولم يقتصر الأمر على المؤسسات التعليمية بل شمل كثيرا من المنظمات الحكومية والشركات العالمية التي بدأت في استخدام تقنية التعليم الافتراضي في تعليم وتدريب موظفيها، وبدأت في استخدام هذه التقنية لزيادة كفاءة وفاعلية العملية التعليمية التي تقوم بها وللاستفادة القصوى من التقنيات والموارد المتاحة، وعلى سبيل المثال فإن شركة «آي بي إم» IBM وشركة «سيسكو» Cisco، وهما من أكبر الشركات العالمية في مجال تقنية المعلومات تستخدمان تقنية التعليم والتدريب الافتراضي لتدريب موظفيهم، وبذلك توفران مبالغ كبيرة، وفي عام 2000م وفرت شركة IBM ثلاثمائة وخمسين مليون دولار، فيما وفرت شركة سيسكو مائتين وأربعين مليون دولار من مصاريف التدريب. ولم يقتصر الأمر على الدول المتقدمة في توظيف تقنية التعليم الافتراضي، فقد تم افتتاح الجامعة الإفريقية غير المنظورة بتمويل من البنك الدولي في عام 1995م بدافع التقليل من الهجرات الواسعة للشباب الإفريقي وتهيئته للمزيد من المعرفة، حيث يعول الخبراء الدوليون كثيرًا على مستقبل هذه الجامعة كونها الحل الأمثل لتعميم التعليم الجامعي بين الأفارقة وتأهيل الشباب منهم بعلوم العصر وتقنياته وتمكينهم من تخطي أزمات البطالة والفقر والهجرة. وفي عام 2002م تم افتتاح الجامعة الافتراضية السورية التي تهدف إلى توفير أربعة مستويات من التعليم الجامعي العالمي للطلاب من مكان إقامتهم بواسطة شبكة الإنترنت، فهي تقدم شهادات جامعية من جامعات أوروبية وأميركية معترف بها دوليًا، وتوفر جميع أنواع الدعم والمساعدة للطلاب بإشراف تجمع افتراضي شبكي يضم خيرة الخبراء والأساتذة العرب في العالم، وتؤمن الجامعة طيفًا واسعًا جدًا من التخصصات الحديثة المتوفرة في مختلف الجامعات التي تتعاون معها، وقد تم تهيئة البنية التحتية لهذه الجامعة واختيار مقر مؤقت في مبنى وزارة التعليم العالي، وهي تستقبل المئات من طلبات التسجيل بها سنويا في التخصصات المختلفة. ويعتمد التعليم الافتراضي على أنظمة وبرمجيات صممت لهذا النمط من التعليم بحيث تكون فعالة في تقديم المحاضرات الحية عبر الإنترنيت أو غير الحية(اللامتزامنة), وهي ببساطة تتكون من عناصر سمعية وأخرى بصرية مع مجموعة ارتباطات لتوفير مستلزمات المحاضرة من بيانات ومعلومات نصية، ولكي يدخل الطالب المحاضرة لابد من منحه كلمة مرور خاصة به تسمح له بالتفاعل مع مجريات المحاضرة من طرح أسئلة واستلام بيانات ومشاهدة صور وما إلى ذلك، وحتى يتم تنظيم المحاضرة وعدم تداخل الأسئلة صممت أنظمة التعليم الافتراضي لإظهار الأسئلة أمام المشتركين على الشاشة بحيث يتم الإجابة عنها في نهاية المحاضرة كي تتاح فرصة استمرار المحاضرة إلى النهاية. أما بالنسبة للطلاب الذين لا يستطيعون المشاركة في المحاضرات الحية صممت لهم أنظمة النمط اللا متزامن لغرض زيادة تسهيلات المحادثة وطرح الأسئلة وخزنها ومن ثم الإجابة عنها في وقت لاحق، والنمط اللامتزامن هو الذي يتم فيه تزويد الطالب بكافة متطلبات الدراسة في أي وقت يناسبه شخصيًا وبعدد المرات التي يحتاج فيها للعودة إلى المواد الدراسية، وتعتمد الدروس اللاتزامنية على الشرح الذاتي ويقوم الطالب بتوجيهها، ويقوم الطلاب والأساتذة في هذه الدروس باستخدام البريد الإلكتروني، والمواقع المخصصة للنقاش وأية تقنيات تسمح لهم بالتواصل دون الحاجة للوجود في نفس الموقع في نفس الوقت، ثم توثق المحاضرة كاملة وتخزن في حقل خاص بمثابة المكتبة ليتمكن الطلاب من العودة إليها إن رغبوا في ذلك. كما يتم تصميم غرف إلكترونية خاصة بكل طالب يستطيع استخدامها للحديث مع أستاذه للاستفسار أو المناقشة، وتتضمن مجموعة الارتباطات على الصفحة الرئيسية كل المناطق الإلكترونية على شبكة البحث الخاصة بالمادة المطروحة للدراسة بحيث يتمكن الطالب من الرجوع إلى هذه الموضوعات لزيادة المعرفة في محاضرة ذلك اليوم, وبذلك يختصر جهد هائل كان من المتعذر إنجازه في الدراسة التقليدية وخاصة في مجال البحوث والدراسات السابقة، ومن النقاط الإيجابية في المحاضرات الحية في التعليم الافتراضي حصول الطالب على كل مستلزمات المحاضرة مسبقًا كي يتمكن من التهيئة للمحاضرة وتكوين فكرة عن نمط الأسئلة وما إلى ذلك، كما أن هناك نظامًا خاصًا للامتحانات يقوم على أساس الوقت المحدد للإجابة، وهو يقترب من طريقة التعليم المبرمج، وهو نظام متعارف عليه في الدراسات الإلكترونية. وبصفة عامة هناك الكثير من المميزات التي يوفرها التعليم الافتراضي منها: - الجدوى الاقتصادية من استخدام تقنية التعليم الافتراضي التي تساهم في تخفيض تكاليف التعليم والتدريب للموظفين أو الدارسين المنتشرين حول العالم. - خفض شديد في جميع النفقات الأخرى غير المباشرة مثل طباعة الكتب وتكاليف السفر ومصاريف ونفقات الإقامة التي تترتب على السفر وما شابه. - القدرة على إتاحة التعليم لأكبر قدر ممكن من راغبي التعليم في أي مجال وفي أي بلد. - انخفاض تكلفة التعليم يساهم في توفير التعليم بأسعار مخفضة للمستفيدين. - الحد من تأثيرات العوامل السكانية والديموغرافية والتوسعات العمرانية. - التخلص من عقبة الزمان وتحرير المستفيدين من الاختيار بين الدراسة والعمل، كذلك بالنسبة للمعلمين، إذ يمكن لكل منهم أن يمارس أعمالاً أخرى. - توفير حلول جذرية لكثير من المشكلات التربوية مثل: تزايد أعداد الطلاب وعدم استيعابهم في الفصل، والفروق الاجتماعية والاقتصادية والعقلية بين المتعلمين، والنقص في عدد المعلمين المؤهلين. ويتطلب التعليم الافتراضي وجود بنية تحتية شاملة تتمثل في وسائل اتصال سريعة وأجهزة ومعامل حديثة للحاسب الآلي، كما يتطلب تأهيل وتدريب المدرسين على استخدامات التقنية والتعرف على مستجدات العصر في مجال التعليم، بالإضافة إلى توجيه المجتمع للاستثمار في بناء المناهج والمواد التعليمية الإلكترونية، وبناء أنظمة وتشريعات تساهم في دعم العملية التعليمية بشكلها المعاصر، كذلك بناء أنظمة معلومات قادرة على إدارة عملية التعليم بشكلها الجديد. وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذا النوع من التعليم في الدول المتقدمة إلا أنه مازال في مراحله الأولى في معظم دول العالم، ومازال الكثير من الطلاب لا يحبذونه خاصة أنه يتم عن طريق الإنترنت، إذ إن الكثير من الطلاب يتخوفون من التعامل مع جهات تعليمية يفصل بينه وبينها آلاف الأميال، وقد لا يعلم لها مكانا محددًا، ويعتبره الكثيرون حتى وقتنا الحالي نوعًا من أنواع الغش الإلكتروني، وهم يحبذون أن تكون شهاداتهم الجامعية صادرة من جامعاتنا وبطريقة انتظامية معينة، ولا بد أن بعض طلاب الجامعات يبتسمون بسخرية، ويقولون إنهم يواجهون صعوبة في دراستهم في الجامعة العادية، فكيف بالدراسة عن طريق الإنترنت حيث لا تتعامل مع الأستاذ بشكل مباشر ولا مع طلاب وليس هناك جو جامعي أساسًا كالذي تعودنا عليه في الجامعات التقليدية ؟ والحقيقة أن هذا النوع من التعليم شبيه بالتعليم المعتاد إلا أنه يعتمد على الوسائط الإلكترونية، فالتعليم إذًا حقيقي وليس افتراضيًا كما يدل على ذلك مصطلح التعليم الافتراضي. يقول دوبس وفليب: «إن المتعلم «افتراضيًا» هو متعلم حقيقي لكنه يتعلم في بيئة إلكترونية»، ويؤكد هذه الحقيقة ريتشارد لويس حينما يتساءل عن طبيعة المعنى الدقيق لكلمة افتراضي (Virtual) فيجد أنها تعني شيئًا ليس حقيقيًا، ولكن هل التعليم باستخدام التقنيات الإلكترونية –كما يذكر- ليس حقيقيًا؟! وأنه يجب أن ننظر إلى النتائج لا أن ننظر إلى عدم ظهور هذا النوع من التعلم، ولا شك أن نتائج هذا التعليم توحي بوجود تعليم حقيقي ربما يواكب التعليم المعتاد. وكلمة «افتراضي» هي ترجمة للمصطلح الأجنبي «Virtual»، وتعني أن المؤسسة التعليمية بما فيها من محتوى وصفوف ومكتبات وأساتذة وطلاب وتجمعات..إلخ جميعهم يشكلون قيمة حقيقية موجودة فعلاً لكن التواصل بينهم يكون من خلال شبكة الإنترنت. حيث يمكن أن يتألف الصف الافتراضي من طلاب موزعين ما بين أستراليا والسعودية ومصر والهند وسوريا، ويحضرون لأستاذ ما في بريطانيا ويتفاعلون معه «افتراضيًا»، إما مباشرة أو من خلال الخادم التقني الخاص بالمؤسسة، متحررين من حاجزي المكان والزمان. ولذلك قد بدأ استخدام مصطلح «الحقيقة الافتراضية» (Virtual Reality) بدلا من مصطلح «افتراضي»، وأصبحنا نسمع الحديث عن المدن الافتراضية، والطرق الافتراضية، والرحلات الافتراضية، والصف الافتراضي وغير ذلك، وهذه عبارة عن حقائق واقعية سوف يتميز بها نمط الحياة في القرن الحالي. والجامعات الافتراضية (Virtual Universities) مؤسسات أكاديمية تهدف إلى تأمين أرفع مستويات التعليم الجامعي العالمي للطلاب من مكان إقامتهم بواسطة شبكة الإنترنت، وذلك عن طريق إنشاء بيئة تعليمية إلكترونية متكاملة تعتمد على شبكة فائقة التطور، وتقدم مجموعة من الشهادات الجامعية من أعرق الجامعات العالمية المعترف بها دوليًا، كما تؤمن كل أنواع الدعم والمساعدة للطلاب بإشراف تجمع افتراضي شبكي يضم خيرة الخبراء والأساتذة الجامعيين في العالم، والفرق بين الجامعة التقليدية والجامعة الافتراضية هو أن الجامعة الافتراضية لا تحتاج إلى صفوف دراسية داخل جدران، أو إلى تلقين مباشر من الأستاذ إلى الطالب أو تجمع الطلبة في قاعات امتحانية أو قدوم الطالب إلى الجامعة للتسجيل وغيرها من الإجراءات، وإنما يتم تجميع الطلاب في صفوف افتراضية يتم التواصل فيما بينهم وبين الأساتذة عن طريق موقع خاص بهم على شبكة الإنترنيت، وإجراء الاختبارات عن بعد من خلال تقويم سوية الأبحاث التي يقدمها المنتسبون للجامعة خلال مدة دراستهم وكما شاع استخدام مصطلح الجامعة الافتراضية (Virtual University) وحجرة الدراسة الافتراضية (Virtual Classroom)، فقد شاع أيضًا استخدام مصطلح المتعلّم الافتراضي (Virtual Learner)، وإذا كنا قد سلمنا بعدم مناسبة استخدام مصطلح التعليم الافتراضي، فإنه من الأجدر أن نسلم بعدم ملاءمة استخدام مصطلح «المتعلم الافتراضي»، ولذلك يرى الكثير من العلماء خطأ هذا المصطلح وتصحيحه بمصطلح «المتعلم إلكترونيًا» نظرًا لأن الطالب (الإنسان) لن يتغير نوعه بتغير التقنية أو الأداة التي يستخدمها للتعلم، وإنما الذي تغير كيفية أو طريقة تعلمه. وقد يكون من الضروري الإشارة إلى أن مصطلح المتعلم إلكترونيًا أو المتعلم الافتراضي مصطلح غير مستقر، فقد يطلق هذا المصطلح ويراد به المتعلم الحقيقي(Actual Learner)، وقد يطلق ويراد به المتعلم الإلكتروني (Virtual Learner) أو الـ (Virtual Student) وفي هذه الحال فإن المقصود هنا هو ما يعرف بالوكيل الإلكتروني (Virtual Agent) أو الـ(Cyber Agent) الذي يحل محل الطالب في الجلسات التعليمية عند عدم تمكنه من حضورها، أو رفيق الدراسة الافتراضي، (Virtual Companion) وهؤلاء في الحقيقة ليسوا طلابًا ولا رفقاء حقيقيين، فالطالب أو الرفيق الإلكتروني هنا عبارة عن برنامج إرشادي وتعليمي ذكي يتفاعل معه الطالب الحقيقي، فبدلًا من اختيار طالب حقيقي يمكنه اختيار طالب افتراضي يتشارك معه في الوصول إلى حلول للمشكلات، ويتبادل معه الأدوار، وكما أن هناك طالبًا افتراضيًا فهناك أيضًا المرشد الافتراضي (Virtual Tutor) ومساعد المعلم الشخصي الافتراضي (Virtual Personal (Teacher Assistant. والمعلم الافتراضي Virtual Teacherهو المعلم الذي يتفاعل مع المتعلم إلكترونيًا، ويتولى أعباء الإشراف التعليمي على حسن سير التعلم، وقد يكون هذا المعلم داخل مؤسسة تعليمية أو في منزله، وغالبا لا يرتبط هذا المعلم بوقت محدد للعمل وإنما يكون تعامله مع المؤسسة التعليمية بعدد المقررات التي يشرف عليها ويكون مسئولاً عنها وعن الطلاب المسجلين لديه. وهناك الشراكة الافتراضية، حيث يمكن إنشاء شبكة لمؤسسات التعليم العالي في عدة دول بغرض التعاون في إنتاج وتوزيع مواد ذات أهداف تعليمية، ويشارك في ذلك الطلاب والأساتذة من بلدان مختلفة. ويسمح ذلك بتوسيع التعاون بين هذه البلدان في مجالات مختلفة، كالبحث والتعليم بما يشجع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق والمجموعات المشاركة. إن الشراكة في التعليم الافتراضي تسمح بتساوي الفرص للجميع، والتطور الإنساني المتبادل والذي يسمح لأناس بعيدين أو في ظروف غير مشجعة من الحصول على المعرفة، وكمثال على ذلك هناك مشروع «أوديسيم» الذي يهدف إلى إنشاء شبكة لربط مؤسسات التعليم العالي الأورومتوسطية، ويهدف هذا المشروع عبر التعليم الافتراضي إلى توفير كميات كبيرة من المعرفةً لسكان المدن والأرياف في جميع الدول المشاركة. وقد عمل مشروع «أوديسيم» على أن يستفيد جميع سكان ضفاف البحر المتوسط من التغيرات التي يحملها مجتمع المعلومات، ويمتلك «أوديسيم» قاعدة تقنية عالية يمكنها أن تجمع بين تطوير مساحة التعليم الافتراضي ودراسة جودة بنية الشبكة المتاحة لتوفير الخدمات عبر الإنترنت والتي ستفيد جميع الشركاء. ولكن بالرغم من المزايا العديدة للتعليم الافتراضي، فإن هناك العديد من المشكلات في استخدام وسائله؛ فمن النواحي التعليمية يعاني النظام التعليمي في معظم بلدان العالم الثالث من العديد من المشكلات، فضلًا عن محدودية تبني المؤسسات التعليمية في هذه البلدان لوسائل تكنولوجيا التعليم الحديثة، في ظل تراجع مقومات العملية التعليمية، بما فيها ضعف مستوى إجادة أبنائها للغات الأجنبية، ومحدودية إمكانيات الاتصال بالإنترنت وهو ما يحول دون الاستفادة القصوى من الإمكانيات التعليمية للتعليم الافتراضي، ومن إمكانية الإفادة من المناهج والطرق التعليمية الحديثة المتوافرة من خلال هذه التقنية التربوية. وهناك العديد من المحاذير المرتبطة بالطبيعة الموضوعية للإنترنت ومدى مصداقيتها، واختلاط الغث بالسمين من المعلومات على مواقعها..، وهو ما يحتاج إلى وضع ضوابط لاستخدامها. فبينما تلعب شبكة الإنترنت دورًا رائدًا في تزويد الإنسان بالمعارف، فإنها تقدم للغشاشين من الطلاب أو الأكاديميين مادة غزيرة يمكن نسخها وطبعها وإضافتها إلى أعمالهم من دون ذكر المصدر. والأدهى من ذلك أن هناك مواقع إلكترونية بدأت بالعمل على الإنترنت لتزويد الطلاب بكل ما يشتهون من المعلومات المسروقة في أغلبها لكتابة تقاريرهم أو أبحاثهم مقابل مبالغ مالية. وتشهد الجامعات في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا زيادة حادة في عدد المستفيدين من أعمال أسلافهم من الطلاب والباحثين، حيث تؤخذ نصوص بأكملها بل فصول منها، وتقدم على أنها أعمال طلابية جديدة، وقد انتقلت هذه الظاهرة إلى المدارس. وقد أدى انتشار عمليات القرصنة المتواصلة من الإنترنت، إلى اضمحلال حدود الوازع الأخلاقي لدى مستخدميها، الأمر الذي قاد غالبيتهم، ومنهم كثيرون من ذوي النوايا الحسنة، إلى الاستفادة ومن دون خجل، من المعارف في خزائن الإنترنت، حيث توفر عمليات البحث البسيطة على محركات البحث حصول الطلاب بسرعة على المواضيع المطلوبة بسهولة واستخدامها. وتعبر إحصاءات هيئات الامتحانات في بريطانيا عن اتساع هذه المشكلة، إذ سجلت عام 2006م، 695 حالة انتحل فيها الطلاب الممتحنون في تقاريرهم وأبحاثهم بعض النصوص، بينما انتحل 227 نصوصًا كاملة أرجعوها إلى أنفسهم. وأصدر المجلس المشترك للشهادات في بريطانيا في شهر مايو من العام 2006م ضوابط تلتزم بها المدارس بشأن الانتحال بعد أن اعترف بأن عمليات الغش الراهنة بسرقة المواضيع تهدد مصداقية الامتحانات. وتنتشر أنواع المواقع التي تساعد الطلاب وتدرسهم، أو يكتب لهم مدرسون «خصوصيون» أبحاثهم مقابل أجور، وبذلك يحمل البحث اسم الطالب في الوقت الذي قام بإعداده أستاذ! وقد حدا هذا بالتربويين في أستراليا إلى تأسيس رابطة التدريس الأسترالية لوضع ضوابط للتدريس والتعليم على الإنترنت من جهة ومراعاة الجوانب الأخلاقية لمنع سرقة النصوص أو الانتحال. وكتب الدكتور وليام ماكيث رئيس كلية بريسبوتريان للسيدات في سيدني مقالة منتصف شهر يونيو من العام الماضي في صحيفة سيدني مورننغ هيرالد الأسترالية، ناشد فيها المدارس والجامعات بالتمعن في دراسة التقارير المقدمة من الطلاب لمنع السرقات الأدبية، ورغم توافر بعض صور الحماية؛ كقانون حماية الملكية الفكرية وبرامج تكنولوجية للحفاظ على سرية المعلومات (التشفير الإلكتروني، والبصمة الإلكترونية، والتوقيع الرقمي)، فإن التوعية والوازع الديني والأخلاقي يظل يلعب الدور الرئيسي في نجاح التعليم الإلكتروني. بقلم: نادية سعيد مجلة المعرفة مجلة شهرية تصدر عن وزارة التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية