التعلم عن بعد وتكنولوجيا المعرفة

2012-07-02 14:07:05
كتب/ د.عبدالله الصارمي وكيل وزارة التعليم العالي - سلطنة عمان نقلا عن موقع المؤتمر الدولي للتعلم عن بعد --------------------------------------------------------------------------- إن ما يميز التعلم عن بعد هو اختزاله للمسافة بين الطالب والمؤسسة التعليمية، كما انه يتسم بالمرونة من حيث ما يريد أن يتعلمه الطالب، ومتى يتعلمه، وكيفية أو سرعة تعلمه، فالطالب يحدد سرعة تقدمه في هذا النوع من التعليم حسب قدراته وإمكانياته، فهو بذلك يراعي ما يعرف في علم النفس بالفروق الفردية. ولقد بدأ هذا النوع من التعليم بما يعرف بنظام "الانتساب" وهو مبني على قيام الطالب بدراسة مساقات معينة في فترة زمنية يقوم بعدها بالجلوس لامتحان يحدد ما تعلمه الطالب من تلك المساقات في نهاية الفترة، وفي حالة نجاح الطالب في كل المساقات يحصل على مؤهل معين. و كان من الطبيعي أن يقتصر هذا النوع من التعليم على التخصصات النظرية والتي عادة لا تطلب تطبيقات عملية في المختبرات والمعامل وتعتمد اعتمادا كليا على التعلم الذاتي. وفي ظل هذا المفهوم التقليدي للتعلم عن بعد كان ارتباط الطالب بالمؤسسة واضحا، حيث كان عليه أن يأتي في نهاية كل فترة قد تمتد إلى سنة لتأدية الامتحانات، وكانت تلك بمثابة فرصة للمؤسسة للتحقق من هوية الشخص الذي سيحصل لاحقا على المؤهل الذي سيحمل اسمها لاحقاً. ونظرا لسلبيات نظام الانتساب من حيث قلة التفاعل بين الطالب والمتعلم، وانحصاره على تخصصات محدودة وهي تلك التي يمكن أن يدرسها الطالب ذاتيا والتي عادة ما تكون ذات طبيعة نظرية، ونظرا لزيادة الطلب على تخصصات يمكن تقديمها بنفس مزايا الانتساب، ظهر مؤخرا ما يعرف بالتعليم المفتوح، فالتعليم المفتوح يختلف عن الانتساب في أنه يعتمد التفاعل المباشر بين المعلم والمتعلم ولكنه في نطاق أضيق من التعليم النظامي، كأن يحضر المتعلم جملة من المحاضرات أسبوعية أو شهرية عادة ما تقدم في عطلة نهاية الأسبوع ليتمكن الموظفين من حضورها، وبذلك فتح التعليم المفتوح الباب لجملة من التخصصات كان يصعب تعلمها عن طريق الانتساب. كما أنه كان متقبلا بدرجة أكبر من قبل أصحاب الأعمال والعاملين في معادلة المؤهلات الدراسية. ومع نهاية الألفية الثانية ودخول الألفية الثالثة شكلت الثورة المعرفية والتكنولوجية قفزة نوعية في التعلم عن بعد، إذ ظهرت العديد من المصطلحات كالصف الذكي والجامعات الإفتراضية والجامعات الإلكترونية كمرادفات لهذا النوع من التعليم، وأصبح بمقدور الطالب الإنخراط في برامج أكاديمية وتدريبية في مؤسسات تبعد عنه آلاف الأميال، ويمكن أن يحصل من خلالها على مؤهل دراسي دون أن يرى المؤسسة التي منحته ذلك المؤهل، إلى درجة أنه أصبحنا نتخوف بما يعرف بـ"المؤهلات الوهمية". إن الثورة في عالم تكنولوجيا المعرفة والتي ستكون سمة الألفية الثالثة والمتمثلة في انتشار الانترنت وسرعتها والوسائط المتعددة وما أحدثته من قفزة نوعية في طرق التدريس والوسائل التعليمية ساهمت بلا شك وبشكل إيجابي في انتشار هذا النوع من التعليم، وأضافت إلى ميزاته السابقة المتمثلة في مراعاة ظروف الطالب من ناحية الوقت، والكلفة المادية، ميزة أخرى وهو تبسيط هذا النوع من التعليم وجعله أكثر جاذبية، وأكثر ديناميكية. نتيجة لذلك ظهرت تخصصات ومؤهلات تمنح عن طريق هذا النوع من التعليم لم تكن معروفة من قبل. لقد أثار التعلم عن بعد حفيظة أولئك الذين يؤمنون بالتعليم التقلديدي المعتمد على محاور ثلاثة رئيسية: الطالب، المعلم، والكتاب. وأخذوا يتساءلون عن موثوقية الشهادات الممنوحة من خلال هذا النوع من التعليم وأوجه المقارنة بينها وبين الشهادات التي يمنحها التعليم النظامي، خاصة وأن شروط الإلتحاق بالتعلم عن بعد في كثير من الأحيان غير مقننة مثل ما هو الحال في التعليم النظامي، كما أن إعتماد التعلم عن بعد في كثير من الأحيان الكلي على الإنترنت والشبكات يجعل الأمر صعبا بمكان التحقق عما إذا كانت الشهادة التي منحتها المؤسسة صدرت بإسم الشخص الذي قام بالتواصل الفعلي عبر المقررات والتكليفات المختلفة بالمؤسسة. إن التحفظات التي يسوقها العاملين بمعادلة المؤهلات الدراسية مشروعة، كما أن التعلم عن بعد هو خيار لا مناص منه ولا بد لنا من التعامل معه، فهو احد الحلول السحرية لتلبية الطلب المتزايد، وتقليل الإنفاق العام على التعليم العالي والذي تزيد تكلفته عاما بعد عام. ولذلك تسعى الجامعات في مختلف دول العالم إلى اعتماد التعلم عن بعد في تدريس بعض المقررات الدراسية والتي يتزايد عددها عاما بعد عام، ولا يختلف إثنان على أهمية ذلك سواء للمؤسسة من ناحية تقليل النفقات أو للمتعلم من خلال المرونة التي يوفرها هذا النظام، ولكن التحفظ يبدأ بالتزايد كلما زاد الاعتماد على التعلم من بعد. ومن هنا تأتي أهمية هذا المؤتمر والذي ينظم بالتعاون بين وزارة التعليم العالي وجامعة السلطان قابوس لإلقاء مزيدا من الضوء على التعلم عن بعد من حيث أنواعه، وآلياته، وكيفية التوسع فيه، والضوابط التي يجب مراعاتها في تقديمه، آملين بأن يسهم هذا المؤتمر في تقليل تحفظات شرائح لا بأس بها من المجتمع تجاه هذا النمط من التعليم.